Wednesday, December 25, 2013

البحث بدواخلنا عن ثورة


خلال ثلاثة سنوات فقدت الثورة كثيرا من المُلتفين حولها, ساسة و شباب كان ثوريا ثم تغيَّر, فالثورة كاشفة, و المستمرون فيها دخلوا يناير 2011 بقلوبٍ و عقولٍ مُغايرين لقلوبهم و عقولهم الآن. 

و كذلك فعلت.

الوضع الحالي في مصر - و نحن على مشارف يناير للمرة الثالثة بعد الثورة - غير مُهيَّأ لأي عمل سياسي بشكله التقليدي,
فخارطة الطريق مُلطَّخة بدماء مئات معارضيها, و المعتقلون من كافة التيارات المعارضة يملؤون السجون, و كل فردٍ خارجها هو مشروع شهيد, أو مُعتقَل. 

لا يمكن أن يكون هذا هو المناخ المُناسب لممارسة السياسة, لكن زراعة فكرة فشل الثورة هي الخطر الأكبر على الثورة.

***

لكل حكاية أصل, و أصل ثورتنا كُل حكاية لشاب أو فتاة أو مجموعة شباب فعلوا شيئا صغيرا بروح الثورة بعد سقوط مبارك, 
لو تابعنا ما قام به الأفراد أو المجموعات الشبابية المحلية الوليدة, ستجد بين الجميع متشابهات كثيرة, الجميع قام بنفس الخطوات في منطقته, استخدموا نفس الأدوات, ابتكروا عمل فردي أو جماعي مشابه لإبتكارات بعضهم البعض,
لم يكن هناك من قائد يُحركهم, أو خطة يُطبقها الجميع بتفانٍ و إتقان, لكن ربطهم جميعهم رباطٌ قويٌ و متين يُدعي روح الثورة. 

لكل حكاية أصل, و أصل الثورة روحها.

***
تلك الروح ربطت بين كل تلك المجموعات المحلية برباطٍ وهمي لكنك تستطيع أن تراه بعين قلبك و عقلك واضحا و جلياً, و انقطع ذلك الرباط عندما أطلت علينا صناديق الإنتخابات برأسها, فانقسم الشباب بين مُؤيدٍ لفلان حتى التقديس, و معارضٍ له حتى التخوين. 
لكن مجموعة محلية في منطقة حدائق القبة, حافظت على تماسكها, لأنها قررت أن تأخذ موقف مبدأي برفض بعض المرشحين, من يتفق عليهم الجميع أنهم مُجرد مُمثلون للثورة المضادة, و تركت التأييد للأفراد, كلٌ لرأيه. 
هربت من فخ الصناديق, لرحابة فكرة الثورة, 
لكن من حزا حزوها ليسوا كُثر. 

***

هذه المجموعات الثورية المحلية كانت النواة الأولى لنجاح الثورة, 
دعونا نتفق أن فكرة تحقيق العدل بطريقة كاملة, فكرة قد تتجاوز الحلم الوردي, لكنها مُجرد كابوس عندما يحلم به الثوار, بينما يحكم غيرهم.
العدل لن يأتي بدون أن يحكم الثوار, أو يشاركوا في الحكم بطريقة مُؤثرة, 
و هذه المجموعات الغير مترابطة, كانت تُشكل شبكة خيالية تجمع بينها الفكرة و الروح و الثقة, و تحولت لُكتلة مُؤثرة في نُقاطها المحلية, و لو رسمنا خطا بين تلك المجموعات, لظهرت أمامنا خريطة واضحة تُعبر عن شبكة قوية للغاية قد تكون مُنافسة لأقوى حزب او جماعة في مصر.

***

تفرق شباب المجموعات المحلية بين الأحزاب, و بين الحركات, و بين العودة إلى الحياة التقليدية الرتيبة و في الحلق غُصة, 
لكن ظهرت على الساحة جبهة طريق الثورة " ثوار " بفكرة جعلت بعض هؤلاء الشباب يتجاوزون ضيق الحزب أو الحركة, إلى التحرك مع بعضهم البعض مرة ثانية.
كانوا قوة مُعطَّلَة, أو على الأقل تعمل بنصف جُهدها.
الكُل يعمل في مكانه بنفس تلك الفكرة العبقرية, لكن بقليل من التعارف, فهم يعرفون بعضهم البعض, لكن ما يجمعهم حقيقة هي الروح, و الفكرة, و الثقة.

لكن ما تحتاجه الثورة يقينا, هو تجربة مُماثلة أو موازية, بنفس الروح و نفس الفكرة و نفس الثقة, تخدم حيها أو منطقتها, و تبني قواعد من الثقة و الألفة مع أهل كل حيٍ و كل شارع و كل حارة, 
مجموعات تتجاوز الأيدلوجيات, و تتجاوز صراعات العواجيز, و تتعاون لبناء تنظيم شبكي تخيلي, يُفرز لنا كوادر شعبية و نقاط قوة مُؤثرة على الشارع,
بالإضافة لورشات عمل متنقلة لا تهدف إلا لتأهيل هؤلاء الشباب - بغض النظر عن إنتماءاتهم - ليكونوا ليس فقط مُؤثرين شعبيا, بل قادة حقيقيين يملكون الحدود الكافية من المعرفة السياسية و الإجتماعية و الحقوقية التي تُؤهلهم لتلك الأدوار العطشى لمثلهم.

***

It's never too late

فالبرغم من تأخرنا في القيام بتلك النقطة بتلك البصيرة, لكن قد يكون ذلك هو الموعد المناسب تماما, فمن سعى لمنصب رحل, و من أحب أن يكون في ركاب السلطة إرتحل إليها, و بقى من يشعر بالخطر الحقيقي على ثورته و حلمه, هؤلاء الذين يستطيعون تجاوز الإختلافات لمساحات واسعة من الإتفاق و المتشابهات, ليتعاونوا فيما اتفقوا فيه و يعذروا بعضهم البعض فيما اختلفوا فيه. 

تلك الشبكات التي لو تكونت, أو أُعيد تكوينها على بصيرة هذه المرة, ستكون خطوة أولى لفرض رأي الثورة على الدولة بداية من قواعدها, و فرضه أيضا بطريقة ناعمة على المزاج الشعبي العام, و خلق الشباب الذين يستطيعون ليس فقط التغيير, لكن أيضا ملئ كل فراغٍ يُتاح لهم, بكفاءة عالية.

***
إن لم تستطع إجبار النظام على توفير إحتياجاتك, لا تغيره فقط, لكن كُن بديله أيضا.

No comments: